الشيخ الطبرسي
347
تفسير مجمع البيان
تذهب السيئات ، فيه تذكار وموعظة لمن تذكر به ، وفكر فيه ( واصبر ) قيل : معناه واصبر على الصلاة كما قال : ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) . ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) أي : المصلين ، عن ابن عباس . وقيل : معناه اصبر يا محمد على أذى قومك ، وتكذيبهم إياك ، وعلى القيام بما افترضته عليك ، وعلى أداء الواجبات ، والامتناع عن المقبحات ، فإن الله لا يهمل جزاء المحسنين على إحسانهم ، ولا يبطله ، بل يكافيهم عليه أكمل الثواب . ( فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ) أي : هلا كان ، وإلا كان ، ومعناه : النفي ، وتقديره : لم يكن من القرون من قبلكم قوم باقون ( ينهون عن الفساد في الأرض ) أي : كان يجب أن يكون منهم قوم بهذه الصفة ، مع إنعام الله تعالى عليهم ، بكمال العقل ، وبعثة الرسل إليهم ، وإقامة الحجج لهم . وهذا تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من قبلهم في الفساد نحو عاد ، وثمود ، والقرون التي عدها القرآن ، وأخبر بهلاكها أي : إن العجب منهم ، كيف لم تكن من جملتهم بقية في الأرض ، يأمرون فيها بالمعروف ، وينهون عن المنكر ؟ وكيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم الله بالعذاب ، وأنواع العقوبات لكفرهم بالله ، ومعاصيهم له . وقيل : ( أولوا بقية ) معناه : ذوو دين وخير . وقيل : معناه ذوو بركة . وقيل : ذوو تمييز وطاعة ( إلا قليلا ممن أنجينا منهم ) المعنى : إن قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد ، وهم الأنبياء والصالحون الذين آمنوا مع الرسل ، فأنجيناهم من العذاب الذي نزل بقومهم . وإنما جعلوا هذا الاستثناء منقطعا ، لأنه إيجاب لم يتقدم فيه صيغة النفي ، وإنما تقدم تهجين خرج مخرج السؤال ، ولو رفع لجاز في الكلام . ( واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ) أي : واتبع المشركون ما عودوا من النعم والتنعم ، وإيثار اللذات على أمور الآخرة ، واشتغلوا بذلك عن الطاعات ( وكانوا ) أي : وكان هؤلاء المتنعمون البطرون ( مجرمين ) مصرين على الجرم . وفي الآية دلالة على وجوب النهي عن المنكر ، لأنه سبحانه ذمهم بترك النهي عن الفساد ، وأخبر بأنه أنجى القليل منهم لنهيهم عن ذلك ، ونبه على أنه لو نهى الكثير كما نهى القليل ، لما هلكوا . ثم أخبر سبحانه أنه لم يهلك إلا بالكفر والفساد ، فقال : ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) وذكر في تأويله وجوه : أحدها : إن المعنى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم منه لهم ، ولكن إنما